السيد محسن الأمين
256
أعيان الشيعة
ان مصاحبتنا لشعر ابن الرومي تجعلنا نؤكد انه لا يبتدر خصومه بالهجاء ، بل يظل يصبر عليهم حتى لا تبقى للصبر بقية ، وهو حذر جدا في علاقته بذوي السلطان ، لأنه شديد الاحساس بعوزه وحاجته إلى التكسب بشعره ، ومحال ان يقطع معين رزقه لاندفاع أو تهور ، بل ما أعجبه حين يصف لنا حذره من ذوي السلطان ، ويضع بنفسه حدودا لهجائه في قوله : لا أقذع السلطان في أيامه * خوفا لسطوته ومر عقابه وإذا الزمان أصابه بصروفه * حاذرت رجعته ووشك مثابه واعد لؤما ان أهم بعضه * إذ فلت الأيام من أنيابه تالله اهجو من هجاه زمانه * حرمت مواثبتيه عند وثابه فليعلم الرؤساء اني راهب * للشر ، والمرهوب من أسبابه طب باحكام الهجاء ، مبصر * أهل السفاه بزيفه وصوابه حرم الهجاء على امرئ غير امرئ * وقع الهجاء عليه من أضرابه أو طالب قوتا حماه قادر * ظلما حقوق طعامه وشرابه ( 4 ) ما احكم هذا الدستور الذي وضعه ابن الرومي لهجائه وما أشد صرامته ، انه لا يهجو أصحاب السلطان وهم في أوجهم ، خوفا من سطوتهم وعقابهم ، فإذا خان الزمان أحدهم عف ابن الرومي عن هجائه خوفا من عودته إلى السلطة مرة أخرى . ولكن هذه العفة لا تقوم على أساس الخوف وحده ، بل على أساس من كريم الخلق ، فمن اللؤم هجاء انسان تعرض لمحنة . وكم من الشعراء كانوا ينهشون ممدوحيهم السابقين بمجرد تجردهم من السلطة ، وكان البحتري مشهورا بذلك ، فقد هجا نحو أربعين من ممدوحيه السابقين بعد تجردهم من السلطان . وابن الرومي يطمئن الرؤساء من ناحيته ، فهو يرهب الشر ، وهو خبير باحكام الهجاء : متى يجوز ومتى لا يجوز ، وهو يقصر جواز الهجاء على موضعين : الرد على من يهاجيه من اقرانه ، وردع الظالمين الذين يمنعون الفقير حق ما يقتات به . فإذا كان ابن الرومي قد خرج على دستور الهجاء الذي وضعه ، فليس من سبب لهذا الخروج الا ان يكون اضطرارا يستفز الشاعر لهذا الهجاء . وأول من يلقانا من أصحاب المناصب ، ممن هجاهم ابن الرومي بعد مدح ، إبراهيم بن المدبر الكاتب الذي شغل عدة مناصب هامة ، كان من بينها منصب وزير المعتمد . ويترجم له ياقوت فيقول عنه إبراهيم بن محمد بن عبيد الله ابن المدبر ، أبو إسحاق الكاتب ، الأديب الفاضل ، الشاعر الجواد المترسل ، صاحب النظم الرائق والنثر الفائق ، تولى الولايات الجليلة ، ووزر للمعتمد ، توفي 279 ه وهو يتقلد ديوان الضياع للمعتضد ببغداد وقد مدحه ابن الرومي بمناسبة هروبه من سجن الزنج سنة 257 ه ، ولكن يبدو ان ابن المدبر لم يكن كريما مع ابن الرومي بحيث يمنحه جائزة سخية على مديحه ، بل لعله بحكم شاعريته خاض في نقد شعر ابن الرومي ، ولهذين السببين استحق الهجاء ، ويطالبه ابن الرومي في بعض هجائه برد قصائد مديحه فيه ، ولو ممزقة ، يقول : أردد على قراطيسي ممزقة * كيما تكون رؤسا للدساتيج ( 5 ) فان ذلك أدنى من تشاغلها * بحفظ مدحك يا علج العلاليج ومن أصحاب المناصب الذين سبق لابن الرومي ان مدحهم ثم عاد فهجاهم ، أحمد بن محمد الطائي الذي كان واليا على الكوفة سنة 269 ه ، وظل في منصبه حتى قبض عليه سنة 275 ه كما يذكر المسعودي والطبري في احداث تلك السنة . وقد هجاه ابن الرومي لسببين يزكيان خروجه عن دستوره في الهجاء ، إما السبب الأول فهو مماطلة الطائي في تحقيق وعد قطعه على نفسه باجراء عطاء على ابن الرومي ، والسبب الآخر اختطافه ابن أحد الكتاب واتخاذه رهينة بسبب خوفه من القتل في أثناء وزارة ابن بلبل في واسط ، اي حوالي سنة 273 ه ، كما نعلم من تتبع حياة ابن بلبل . يقول ابن الرومي في هجائه للطائي مطمئنا وهو في حمى ابن بلبل : علج ترقى رتبة فرتبة * ولم يكن أهلا لهاتيك الرتب فزل من تلك المراقي زلة * أصبح منها مشفيا على العطب وهكذا ، كل ارتقاء في العلا * قريب عهد بارتقاء في الكرب وعلى الرغم من صلة ابن الرومي القوية بأبي الصقر إسماعيل بن بلبل الذي تقلب في عدة مناصب رئيسية ، فكان رئيسا لديوان الضياع في سامرا سنة 255 ه ، وكان وزيرا في أيام الموفق ، وعلى الرغم من مدائح ابن الرومي المطولة فيه في مناسبات مختلفة ، وعلى مدى سنوات كثيرة الا انه ناله بهجائه ، وكان السبب الواضح في ذلك إغفال ابن بلبل المتعمد لابن الرومي ، ومنعه ما يستحق من جوائز على مديحه ، فهو يقول له : ما بال شعري لم توزن مثوبته * وقد قضت منه أوزان وأوزان ويستخدم ابن الرومي قبل ان يتحول تماما إلى هجاء ابن بلبل أسلوبا طريفا في الهجاء يبدؤه بمعنى صريح غاية في الصراحة ، وهو ان مديحه لابن بلبل ليس نابعا من محبة شخصية أو اعجاب به ، ولكن للحصول على عطائه فحسب ، يقول : أظنك خبرت اني امرؤ * أبر الرجال بشعري احتسابا وذلك أحسن ما في الظنون * إذا ما أخ بأخيه استرابا ول غيرك السائمي ما أرى * تشعبت للظن فيه شعابا فقلت : غبي كسا جهله * نواظره دون شمسي ضبابا وران على قلبه رينه * فليس يريه صوابي صوابا أذلك ؟ أو قلت : كان امرءا * رأى الجود ذنبا عظيما ، فتابا ؟ هفا هفوة بالندى ، ثم قال * انبت إلى الله فيمن أنابا ؟ أذلك ؟ أو قلت : بل لم يزل * أخا البخل الا عدات كذابا مريغ ثناء بلا نائل * يمني أماني تلقى سرابا إلى كل ذاك تميل النفوس * أخطأ ظن بها أم أصابا وابن الرومي في هذه القصيدة يستخدم أسلوبا غير مباشر في الهجاء ، يقوم على الظن والافتراض الذي قد يكون مرده إلى الخطا ، ولكنه بعد كل ظن يقول له : أذلك وكأنه يريد ان ينتزع منه اعترافا بصحة كل ما افترضه فيه من سوء الظن . وقد ألح ابن الرومي على ادعاء إسماعيل بن بلبل نسبا عربيا في شيبان ، وكان ادعاء العروبة بين ذوي الأصول الأعجمية كثيرا منذ القرن الثاني الهجري . يقول ابن الرومي فيه :
--> ( 1 ) اقذع : أي ارميه بسوء القول . ( 2 ) مثابه : عودته . ( 3 ) تالله اهجو : أي لا اهجو ، لان لا تحذف بعد القسم بالله والتاء . ( 4 ) حماه بمعنى منعه . ( 5 ) الدستجة : الكأس أو الزجاجة .